القرطبي

118

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأغريت زيدا بكذا حتى غري به ، ومنه الغراء الذي يغري به للصوقه ، فالاغراء بالشئ الالصاق به من جهة التسليط عليه . وأغريت الكلب أي أولعته بالصيد . " بينهم " ظرف للعداوة . " والبغضاء " البغض . أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما . عن السدي وقتادة : بعضهم لبعض عدو . وقيل : أشار إلى افتراق النصارى خاصة ، قاله الربيع بن أنس ، لأنهم أقرب مذكور ، وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقبة والنسطورية والملكانية ، أي كفر بعضهم بعضا . قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في معنى " أغرينا بينهم العداوة والبغضاء " أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم ، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار . وقوله : ( وسوف ينبئهم الله ) تهديد لهم ، أي سيلقون جزاء نقض الميثاق . قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب ) الكتاب اسم جنس بمعنى الكتب ، فجميعهم مخاطبون . ( قد جاءكم رسولنا ) محمد صلى الله عليه وسلم . ( يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) أي من كتبكم ، من الايمان به ، ومن آية الرجم ، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة ، فإنهم كانوا يخفونها . ( ويعفو عن كثير ) أي يتركه ولا يبينه ، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته ، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته ، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه . وقيل : " ويعفو عن كثير " يعني يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به . وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : يا هذا عفوت عنا ؟ فأعرض عنه رسول الله عليه وسلم ولم يبين ، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه ، فلما لم يبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه : أرى أنه صادق فيما يقول : لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه . " قد جاءكم من الله نور " أي ضياء ، قيل : الاسلام . وقيل : محمد عليه السلام ، عن الزجاج . ( وكتاب مبين ) أي القرآن ، فإنه يبين الاحكام ، وقد تقدم . ( 1 ) ( يهدى به الله من اتبع رضوانه ) أي ما رضيه الله . ( سبل السلام ) طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة ، والمؤمنة من كل مخافة ، وهي الجنة . وقال الحسن والسدي : " السلام " الله عز وجل ، فالمعنى دين الله - وهو الاسلام - كما قال : " إن الدين

--> ( 1 ) راجع ص 27 من هذا الجزء .